رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [2]


لا يزال الحديثُ يتناول كتابَ باسم السبع الجديد، «لبنان في ظِلال جهنّم: من اتّفاق الطائف إلى اغتيال الحريري»، الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت. والمؤلِّف أصرَّ منذ البداية أنّ انحيازه (الصارخ) إلى الحريري في الكتاب هو قيمةٌ مُضافة (إلى ماذا؟) في تأريخ الحريري، مع أنّه اعترفَ أنّ الكتابة عن الحريري مستحيلة (خلافاً للكتابة عن الأنبياء). والسبع نسبَ دافع كلّ الذين شاركوا في الحروب ضدّ إسرائيل في لبنان (وفي غيرها من الحروب) إلى الارتزاق. أي إنّ الذين وهبوا حياتهم في القتال ضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي كانوا مجرّد مرتزقة في عُرفه (ص، 18). ويستعمل كلمة ارتزاق مرّة أخرى عندما يقول: «المرتزقة من أهل القانون والتشريع» (ص، 20). هل تُراه يتحدّث عن رفيق الحريري وشرائه لمجموعة من المحامين والقُضاة والمُشرّعين لتمرير مشاريع لم يكن ممكناً تمريرها ديموقراطيّاً؟ هل يسري كلامه على السطو على وسط بيروت، مثلاً؟
والرجل الذي يتعفّف عند الحديث عن مساوئ النظام اللّبناني، لا يلاحظ أنّه في كلامه يحمي الفاسدين الذين والاهم. تراه يثور قائلاً عن الشعب اللّبناني: «لا يوفّرون مقاماً من مقاماتها إلّا ويجعلونه هدفاً للمسخرة والاتّهام المتواصل بحماية نظام فاسد». أيّاً من الفاسدين تراه يسترُ هنا؟ واللّهجة الوعظيّة في الكتاب مزعجة؛ لأنّ المؤلّف (حتى للذي يقرأ الكتاب من دون أن يكون عالِماً بسيرته السياسيّة أو سيرة الحريري) لا ينطلق في نقده من موقع خارج النظام الفاسد أو السيطرة الخارجيّة. لا، هو في عمله السياسي كان في داخل المنظومة الفاسدة التي كانت تخضع لسيطرة النظام السوري، فيما كان هو والمعلّم الأكبر، رفيق الحريري، يكيلون المديح لقادة النظام ومديري المخابرات فيه. كما أنّ كلامه عن الحظّ العاثر للبنان يتناقض مع فعل الإرادة السياسيّة. يقول عن لبنان: «حظّها عاثر هذه الجمهوريّة». ماذا يعني هذا الكلام؟ هل مصائر الأمم تتقرّر بالحظّ، بناء على رَمي النرد؟ هل كانت الحرب الأهليّة مثل زلّة القدم بسبب قشرة موز؟ أم اصطدام سيّارتَيْن في جادّة؟ هذه مثل ردّ فعل حركة «فتح» على وفاة عبد الناصر عندما ندبَته قائلة: «حظّكِ عاثر، يا فلسطين».
والسبع يبدو متحرّراً تماماً من ذلك العداء لإسرائيل، وتجده في مصطلحاته أقرب إلى مصطلحات الإعلام الغربي الصهيوني. كيف يصِف حرب تمّوز بأنّها «حرب إسرائيليّة مع حزب الله» (ص، 22). هذا الوصف يبرّر لإسرائيل قصْفها لكلّ المنازل والمستشفيات وسيارات الإسعاف والمدارس، كما يبرّر قتْلها لكلّ الأطفال والنساء والرجال من كلّ الأعمار؟ حربٌ ضدّ حزب الله؟ هذه المصطلحات يستعملها الصهاينة اليوم لتسويغ حرب الإبادة الجارية في غزّة. لكنّه عندما يصف 7 أيّار (أي يوم 7 أيار) فهو يصفه بـ«هجمة الحزب المسلّحة على بيروت». أي إنّ السبع يكنّ عداءً للحزب يفوق عداءه لإسرائيل (إذا كان لديه ذرّة من العداء لإسرائيل). السبع استفظع 7 أيّار (يوم 7 أيّار) أكثر ممّا استفظع حرب إسرائيل على لبنان في تموز 2006. وإذا كانت حرب تمّوز مجرّد حرب ضدّ حزب الله، فلماذا تضرّر لبنان؟ أضرار جانبيّة معذورة من الجار؟
وللسّبع مُطلق الحريّة في الانحياز ضدّ مقاومي إسرائيل أو إلى الأخيرة، لكنّه ليس صادقاً أبداً في كلامه، ما يُضفي شكوكاً كثيرة على مزاعمه وروايته في الكتاب. تقرأه يقول إنّ سعد الحريري اتّخذ قراراً... بـ«تعليق العمل السياسي». هل يظنّ السبع أنّ قرّاء كتابه من المهتمّين بالشأن اللّبناني جاهلون بقرار الرياض، أولاً، باختطاف سعد الحريري وتعذيبه وإجباره على تلاوة بيان استقالة بمنزلة فتنة أهليّة، ثمَ منْعه من ممارسة العمل السياسي وإبعاده عن لبنان؟ هو يعلم أنّنا نعلم بما جرى، أي إنّ مجانبة الحقيقة مقصودة هنا عن سابق تصوّر وتصميم من قِبل المؤلِّف، تملّقاً للنظام الذي لا يتطابق مع مواصفات الحُكم الفاضل الذي يتغنّى به في الكتاب.
لم ينسَ السبع أن يضمّن نصّه تعميمات استشراقيّة سطحيّة عن انشداد العقل العربي إلى الماضي، وأنّ الوطن العربي «معزول عن مستقبله». هنا دخلنا في الفلسفة السياسيّة للحريريّة
يقول السبع إنّه مَدين بتعرّفه إلى الحريري إلى مستشاره اليساري، سمير فرنجيّة الذي اقترح اسمه على الحريري (يصف فرنجيّة بالتعبير المزعج، «البيك الأحمر»). ومن دون أن يدري، نتبيّن في وصف السبع للقائه الأوّل مع الحريري كم أنّ الحريري أغرى الكُتّاب والصحافيّين والمثقّفين بالمال والمظاهر الفخمة لنمط عيشه. انبهر صاحبكم بمجرّد أن وصل إلى باريس. يقول: «كان في انتظارنا سيّارة خاصّة من مكتب الحريري نقلتنا إلى فندق كونكورد-لافاييت» (ص، 25). تُدرك أنّ السبع بات في حاشية الحريري بمجرّد أن رأى السيّارة تقلّه من مطار باريس. حتى بوابة المنزل (أو «الدارة» كما يصف فؤاد مخزومي منزله) بَهَرته، إذ يقول: «وإذ بنا أمام بوّابة كبيرة تشبه بوّابات القِلاع».
لاحظَ الحصى الرمادية في حديقة المنزل. قد يكون قرّر فور رؤية المنزل الباريسي أنّ مشروع رفيق الحريري هو لخير لبنان والعالم العربي والإنسانيّة جمعاء. أمّا القصر (المنزل) فيصفه بـ«المهيب»، أي إنّ السبع انضمّ إلى فريق الحريري قبل أن يلتقيه. الذي شتّتَ تركيز السبع على القصر هو طلّة رفيق الحريري «الفخمة». «الطلّة الأولى للرجل تمحو الصور والأفكار المسبقة». لكن لماذا؟ لأنّ «وجهه غني بالطيبة والقوّة. وصوت ثريٌّ يُغدق الضحك والأفكار الرنّانة في آن» (ص، 26). عندما تقرأ ذلك تتعجّب لماذا لم تسائل صحافة لبنان مشروع الحريري وفساده في سنواته في الحكم؟ هذا كاتب لا يعلم أنّه يريك ضعفه الشديد أمام الثروة والفخامة والمظاهر المتبرّجة. هذا لا يحتاج إلى تحليل نفسي. إنّه ظاهر بوضوح شديد. يقول صاحبنا إنّه كسبَ «صداقته في أقل من ستّين دقيقة». حتماً هذه ليست صداقة إذا كنتَ كسبْتها في ستّين دقيقة. هذا أقرب إلى الانبهار والخضوع والتبعيّة. كلمة صداقة منزّهة عن غرض الاستفادة الماليّة والطموح الوظيفي.
فعلَت الكيمياء فِعلها بين السبع والحريري، وكانت رؤية السبع للسيارة الخاصّة بالقصر والفندق الفخم والقصر «المهيب» كافية كي يعبّر السبع عن ندمه على «أفكاري المغلقة على آراء يساريّة مسبقة» (ص، 26). كم تكون هذه الأفكار عميقة عند الرجل كي تزول بمجرّد رؤية القصر المهيب؟ هنا يقول السبع إنّ اللّقاء كان كافياً كي يبدأ «الشروع في خَوض مجالات أنعشت حياتي السياسيّة». أحببتُ كلمة «مجالات» لأنّها بالغة الدلالة والرمزيّة وحمّالة أوجه غير روحيّة. والسمج في قراءة الكتاب أنّ المؤلّف يلجأ إلى ما نسمّيه بالإنكليزية بـ«النِّكات الداخليّة»، أي نِكات لا تفهمها إلّا دائرة صغيرة ينتمي إليها الكاتب. فيصف أفراد حاشية الحريري بألقابهم المتعارفة: فعبد اللّطيف الشماع هو «أبو الهول» وعدنان الزيباوي هو «الرفيق»، ومصطفى رازيان «دونكيشوت» إلخ. وعندما روى الحريري قصّة من طفولته عن ماسح أحذية، علّق السبع بالآتي: «استهجنتُ صدورها من شخص في موقعه، وهو رئيس حكومة» (ص، 28). أي إنّ السبع رأى أنّ ذِكر ماسح الأحذية أو الفقراء لا يليق بشخص في موقع رئاسة الحكومة.
اقترح عليه الحريري العمل على إنشاء جريدة خاصّة به (تلك التي أصبحت «المستقبل» في ما بعد). كتب لها السبع «فذلكة سياسيّة» اعتزَّ بها ووصف النصّ بأنّه الأول «من نوعه في السجلّات السياسيّة للحريري». تتحضّر لقراءة نصّ يُدخلك في أجواء الفكر السياسي، وإذ به تعداد لحوادث وتطوّرات وإشارة إلى «حرب النجوم» كي يرى القارئ مدى سعة اطّلاع الفريق المحيط بالحريري. والطريف أنّ فذلكة السبع تطرّقت إلى موضوع الديموقراطيّة، فيما الجريدة لم تكن إلّا بوقاً لأنظمة الاستبداد الخليجي. لا، لم يكتفِ السبع بالحديث عن الديموقراطيّة، بل أضاف مقطعاً عن «تفتّح المجتمعات السياسية العربيّة، وخصوصاً في منطقة الخليج، على التجارب الديموقراطيّة». هنا، لا تدري عن أيّ خليج يتحدّث السبع. ما هي النماذج الديموقراطيّة الخليجيّة التي لفتت نظر كاتب الوثيقة السياسيّة للحريريّة. ولم ينسَ السبع أن يضمّن نصّه تعميمات استشراقيّة سطحيّة عن انشداد العقل العربي إلى الماضي، وأنّ الوطن العربي «معزول عن مستقبله». هنا دخلنا في الفلسفة السياسيّة للحريريّة.
وفيما كان السبع يُعدّ لإصدار الجريدة التي ستحتفي بانبلاج الفجر الديموقراطي في دول الخليج، فاجأت المجموعة الحريريّة تطوّرات بالغة السلبيّة («غيوم»). ما هي؟ زيادة الرواتب في القطاع العام (ص، 38). هل هناك ما هو أسوأ من هذا التطوّر؟ والقول إنّ الجريدة كانت إيذاناً بانطلاقة فكر جديد تضاربت مع سرديّة السبع. يعترف أنّ الحريري أتى إليه وقال له إنّه يتعرّض إلى حملات، وإنّه يريد إصدار «المستقبل» للدفاع عنه، وإنّ الفضل شلق سيتولّى رئاسة التحرير (ص، 41). يذكر السبع «ثورة الدواليب» ضدّ عمر كرامي في 1992، (يتحدّث بسوقيّة عن «اقتلاع» عمر كرامي، ص 46) ولا يذكر دَور جوني عبده (وفريق الحريري مِن ورائه) فيها. ومثل كلّ الإعلام المستفيد من الدعم الخليجي أو الحريري، يربط المؤلِّف الحريري بالطائف وإصلاحاته، فيما كان دوره معدوماً؛ لأنّ التحضيرات والمناقشات حول الطّائف سبقت الاجتماع الشهير. دَور الحريري كان محصوراً بتقديم حُسن الضيافة السعودي للنواب المدعوّين. يذكر الاتّهامات بدفع الرشى (من قبل الحريري) للبنانيّين وسوريّين، كُتّاباً ومسؤولين، ولا ينفيها بل يذكرها في خانة «الحسنات» لا السيّئات. ألم يقل لكم من قبل إنّ صداقة نشأت بينه وبين الحريري بعد أن رأى قصره الباريسي المهيب؟ ويسبغ على الحريري أوصافاً يعتاد الأصدقاء على إسباغها على أصدقائهم فيقول عنه: «رجلٌ على صورة قلعة عالية الأسوار، حديديّة الأبواب، محصّنة المداخل، مترامية المساحات، لم يكن من السهل اختراقها أو إزعاجها» (ص، 46). غريب هذا الكلام. كان الحريري يتبرّم ويتضايق من أيّ نقد يُوجَّه إليه، وهو حاول ما استطاع استخدام النظام السوري كي «يضبط» الإعلام ويمنع النقد له أو لأنظمة الخليج أو للنظام السوري.
هنا، في حزيران 1992 يطرأ جديد في الصداقة بين السبع والحريري. دعاه لمرافقته إلى المملكة العربية السعوديّة. يقول السبع: «كانت المرّة الأولى التي أسافر فيها على متن طائرته الخاصّة. اكتشفتُ عيّنة من العزّ الذي يعيشه ابن صيدا مصحوباً بكرم الأثرياء وطموحهم» (ص، 48). تقرأ ذلك وتقول: الآن نفهم لماذا تخلّى عن يساريّته بمجرّد أن تعرّف إلى قصره الباريسي. مظاهر الثراء شديدة التأثير في فكر صاحبكم ذي الفكر اليساري السابق. يقول إنّ الحريري كان يفضّل مشاهدة أفلام عن إنجازاته أكثر من «حضور أعظم الأفلام الحائزة عشرات جوائز الأوسكار» (ص، 49). هل يُفترض أن يُبهرنا ذلك؟
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
